يوسف بن يحيى الصنعاني
198
نسمة السحر بذكر مَن تشيع وشعر
مولاه الإمام المعزّ لدين اللّه من بلاد المغرب ، فلم يؤاخذه بأشياء كانت منه من الجمع لحربه ، وأجراه المعز لما قدم على أحسن حال من الجميل . ومن ظريف خبره ما حكاه المقريزي في الخطط والآثار ، قال : كان الوزير ابن الفرات يهوى النظر إلى الحيّات والأفاعي والعقارب وأم أربعة وأربعين وما يجري هذا المجرى من الحشرات ، وكان في داره قاعة لطيفة مرخّمة ، فيها سلال الحيّات ، ولها فرّاش قيّم وهو من الحوّايين وله مستخدمون برسم الخدمة ونقل السلال وحطّها ، وكان كل حوّاء بمصر وأعمالها يصيد ما قدر عليه من الحيّات ، ويتباهون في ذوات العجب من أنواعها ، وفي الكبار ، وفي غريبة المنظر . وكان الوزير يثيبهم على ذلك أوفى ثواب ، ويبذل لهم الجمل حتى يجتهدون في تحصيلها ، وكان له وقت يجلس فيه على دكّة مرتفعة ويدخل والحوّاة ، فيخرجون ما في السلال ويطرحونه في ذلك الرخام ويحشرون بين الهوام ، وهو يعجب من ذلك ويستحسنه ، فلما كان ذات يوم أنفذ رقعة إلى الشيخ ابن المدبّر الكاتب وهو من أعيان كتّاب أيّامه وديوانه ، وكان عزيزا عنده ، وكانت داره مجاورة له ، يقول فيها لشعر الشيخ الجليل أدام اللّه سلامته : إن الحوّاء عرض علينا البارحة الحشرات الجارية بها العادة ، فانساب إلى دار الشيخ الحيّة البتراء وذات القرنين ، والعقربان الكبير وأبو صوفة ، وما حصلوا لنا إلّا بعد عناء ومشقّة وبحملة بذلناها للحوايين ، ونحن نأمر الشيخ وفقه اللّه بالتقدّم إلى حاشيته وصبيّته بصون ما وجد منها إلى أن ننفذ الحوايين لأخذها وردّها إلى السلال ، فلما قرء ابن المدبر الرقعة قلّبها وكتب في ذيلها : أتانا أمر سيدنا الوزير خلّد اللّه نعمته وحرس مدّته إلى ما أشار إليه من أمر الحشرات ، والذي يعتمد إليه في ذلك أن الطلاق يلزمه إن بات
--> - موالي المعز العبيدي ( صاحب إفريقية ) وسيره من القيروان إلى مصر ، بعد موت كافور الأخشيدي ، فدخلها سنة 358 ه . وأرسل الجيوش لفتح بلاد الشام وضمها إليها . ومكث بها حاكما مطلقا إلى أن قدم مولاه المعز ( سنة 362 ه ) فحلّ المعز محله ؛ وصار هو من عظماء القواد في دولته وما بعدها ، إلى أن توفي ، بالقاهرة سنة 381 ه . وكان كثير الإحسان ، شجاعا ، لم يبق بمصر شاعر إلا رثاه . وكان بناؤه القاهرة سنة 358 ه وسماها « المنصورية » حتى قدم المعز فسماها « القاهرة » وفرغ من بناء « الأزهر » في رمضان 361 ه . ولعلي إبراهيم حسن « تاريخ جوهر الصقلي قائد المعز لدين اللّه الفاطمي - » . ترجمته في : وفيات الأعيان 1 / 375 - 380 ، والنجوم الزاهرة 4 : 28 وما بعدها . وابن عساكر 3 : 416 وخطط مبارك 2 : 45 ومعجم البلدان 7 : 19 ، الاعلام ط 4 / 2 / 148 .